العنف الأسري في ظل جائحة فيروس كورونا

العنف الأسري في ظل جائحة فيروس كورونا

15 April 2021

بقلم

د. أحمد عمرو عبد الله

أستاذ علم النفس الإكلينيكي المساعد 

على الرغم من أهمية الإجراءات الاحترازية لجائحة  COVID-19 لحماية صحة الأفراد وتقليل انتقال العدوى؛ إلا أن لقيود الحركة الناتجة عنها، كالتباعد الاجتماعي وتقييد السفر وإغلاق المؤسسات المجتمعية والعزل والحجر الصحي والمنزلي تأثير واضح على العنف وسوء المعاملة بين العلاقات. خاصة العنف الأسري والمنزلي والعنف ضد المرأة والطفل بأشكاله المختلفة (الجسدي والنفسي والجنسي والإهمال) دون استثناء لشكل محدد.  فقد نتج عن المكوث في المنزل فترات طويلة زيادة استخدام الجناة لآليات القوة والهيمنة لعزل ضحايا العنف كوسيلة لممارسة سلوك العنف عليهم. ولا نستطيع أن نجزم أن العنف نتيجة طبيعية لجميع حالات الحجر المنزلي، فقد نتج عنه مزيد من الترابط الأسري في بيئات أسرية معينة. وقد يزداد العنف بشكل خاص أوقات الأزمات، سواء كانت اقتصادية أو نفسية أو اجتماعية أو صحية كتفشي الأمراض والأوبئة خاصة بين المُعنفين سابقاً. فعديد من النساء والأطفال ماكثين في منزلهم مع من يسيئون إليهم  بعد تصاعد التوتر الأسري بسبب تفاقم الوضع المعيشي والمخاوف من انتقال العدوى، الأمر الذي قد يسفر عن حرمانهم من خدمات الدعم النفسي التي كانت متاحة سابقاً. وقد تؤدي البطالة وعدم استقرار الوضع الاقتصادي والكرب النفسي لدى المعتدي الناتج عن جائحة COVID-19  إلى شعورهم بفقدان تلك القوة، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى تفاقم وتيرة وشدة سلوكهم التعسفي تجاه من حولهم. فلنا أن نتصور كيف يمكن الاختيار بين أمرين في غاية الخطورة البقاء في المنزل في ظل بيئة العنف كإجراء احترازي للوقاية من العدوى، أو الخروج من المنزل في ظل بيئة صحية غير آمنة لانتقال العدوى للهروب من بيئة العنف المنزلي. وأشارت كثير من الدراسات لبعض النتائج التي تعزز ما طرح سلفاً، على سبيل المثال لا الحصر أن الوفيات الناجمة عن العنف المنزلي بين مارس وأبريل 2020  قد زادت بأكثر من الضعف مقارنة بالمعدل الطبيعي في السنوات العشر السابقة.  كما أظهرت أحد الدراسات زيادة المكالمات الهاتفية إلى الخطوط الساخنة للعنف المنزلي بنسبة 25٪  وقت الجائحة، وكان عدد عمليات البحث على Google عن المساعدة المتعلقة بالعنف الأسري أثناء تفشي وباء كورونا كبير مقارنة بفترة ما قبل الجائحة. كما تبين أن عدم القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية والحفاظ على الروابط الاجتماعية يزيد بشكل كبير من الضغوط الأسرية والعنف المنزلي.

    ونظرًا لدور هذا الوباء في جذب انتباه العالم نحوه بشكل مبالغ بعيداً عن قضايا أخرى لا تقل عنه أهمية، فقد انتاب  بعض الجناة شعور متزايد بالإفلات من العقاب، مفترضين أن لديهم حرية التصرف دون قيود. ونظراً لانتشار العنف المنزلي والعنف ضد المرأة والطفل قبل تفشي جائحة COVID-19، فالأسباب الكامنة ليست الفيروس ذاته أو الأزمة الاقتصادية الناتجة عنه، بل اختلال توازن القوة والسيطرة الذي حدث خلال فترة الجائحة سواء بين الراشد والطفل أو الرجل والمرأة أو القوي والضعيف. ومن الضروري ألا ننتظر مزيد من ضحايا العنف أو عواقبه النفسية لتلقي خدمات العلاج النفسي، بل من المهم الاستفادة من نتائج الدراسات العلمية التي تناولت أكثر فئات المجتمع استهداف للعنف وعوامل الخطر المساهمة في حدوثة لتلقي تدخلات وقائية لتخليص الأفراد من الاستعدادات للإصابة بالاضطرابات النفسية أو قبل أن  تتحول لاضطرابات وانحرافات أو لوقاية الأفراد المعنفين سابقاً قبل التعرض لعنف جديد تحسباً من  مضاعفات لا حصر لها، أو لتقليل العواقب الوخيمة والمضاعفات الشديدة لحالات عنف آنية. فضلاً عن دور المحيطين في الاكتشاف المبكر لحالات العنف  وتصديق الضحية وعدم لومه على ما مر به خبرات انفعالية ناتجة عن العنف.